السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 205

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

حالاتٍ عديدةً من العمل ثبت أنّ العمل فيها أساس للملكية ، فنستنتج من استقراء تلك الحالات صحة القاعدة العامة ، إذ نرى - مثلًا - أنّ العمل في إحياء الأرض ينتج ملكيتها ، والعمل في إحياء المعدن ينتج ملكيته ، والعمل في حيازة الماء ينتج ملكيته ، والعمل في اصطياد الطائر ينتج ملكيته فنستدلّ باستقراء هذه الحالات على قاعدةٍ عامةٍ في الاقتصاد الإسلامي ، وهي : « أنّ العمل في الثروات الطبيعية أساس للملكية » . وموقفنا من الاستقراء يتلخّص في التمييز بين القطعي منه وغيره ، فإذا كان قطعياً - أي أدّى إلى القطع بالحكم الشرعي - فهو حجّة ؛ لأنّه يصبح دليلًا قطعياً ويستمدّ حجّيته من حجّية القطع ، وإذا لم يكن قطعياً فلا حجّية فيه مهما كانت قوة الاحتمال الناجمة عنه ؛ لأنّنا عرفنا سابقاً أنّ كلّ دليلٍ غير قطعيٍّ ليس حجّةً ما لم يحكم الشارع بحجّيته ، والشارع لم يحكم بحجّية الاستقراء الذي لا يؤدّي إلى العلم . القياس خطوة من الاستقراء : وقد تؤخذ خطوة واحدة من خطوات الاستقراء ويكتفى بها في الاستدلال ، كما إذا اكتفينا بحالةٍ واحدةٍ من الحالات التي أقام صاحب الحدائق عليها استقراءه وجعلنا منها دليلًا على كون الجاهل معذوراً في سائر الحالات الأخرى . ويسمّى هذا ب « القياس » عند أبي حنيفة وغيره من فقهاء السنّة الذين يكتفون في الاستدلال على ثبوت حكمٍ لموضوعٍ بثبوت حكمٍ من نفس النوع على موضوعٍ واحدٍ مشابهٍ له ، ولا يكلِّفون أنفسهم بتتبّع موضوعاتٍ مشابهةٍ عديدةٍ واستقراء حالاتٍ كثيرة . فبينما كان الاستقراء يكلِّفنا بملاحظة حالاتٍ كثيرةٍ يعذر فيها الجاهل لكي نصل إلى القاعدة العامة القائلة : « إنّ كلّ جاهلٍ معذور » لا يكلِّفنا